«♥ هـ م ـس الـ ق ـلوب ♥»
°ღأهلا و سهلا بكم في مدونتي المتواضعةღ°
جواهر من أقوال السلف

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

قال ابن القيم رحمه الله تعالى :
 
 سبحان الله ؛ في النفس كبر إبليس ، وحسد قابيل ، وعتو عاد ، وطغيان ثمود ، وجرأة نمرود ، واستطالة فرعون ، وبغي قارون ، وقحة هامان . ..

قال بعض السلف :
 
 خلق الله الملائكة عقولاً بلا شهوة ، وخلق البهائم شهوة بلا عقول، وخلق ابن آدم وركب فيه العقل والشهوة ، فمن غلب عقله شهوته التحق بالملائكة ، ومن غلبت شهوته عقله التحق بالبهائم .

قال سفيان الثوري :
 
 ما عالجت شيئاً أشد عليّ من نفسي ، مرة لي ومرة علي .

قال مالك بن دينار - رحمه الله - :
 
 رحم الله عبداً قال لنفسه : ألستِ صاحبة كذا ؟ ألستِ صاحبة كذا ؟ ثم ذمها ، ثم خطمها ثم ألزمها كتاب الله تعالى فكان لها قائداً .

قال أبو بكر الوراق :
 
 استعن على سيرك إلى الله بترك من شغلك عن الله عز وجل ، وليس بشاغل يشغلك عن الله عز وجل كنفسك التي هي بين جنبيك .

قال مجاهد :
 
 من أعزّ نفسه أذل دينه ، ومن أذلّ نفسه أعزّ دينه .

قال سفيان الثوري :
 
 الزهد في الدنيا هو الزهد في الناس ، وأول ذلك زهدك في نفسك .

قال خالد بن معدان :
 
 لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يرى الناس في جنب الله أمثال الأباعر، ثم يرجع إلى نفسه فيكون لها أحقر حاقر.

قال الحسن :
 
 رحم الله عبداً وقف عند همه ، فإن كان لله مضى وإن كان لغيره تأخر .

قال بكر بن عبد الله المزني :
 
لما نظرت إلى أهل عرفات ظننت أهم قد غُفر لهم ، لولا أنني كنت فيهم .

قال يونس بن عبيد :
 
 إني لأجد مائة خصلة من خصال الخير ، ما أعلم أن في نفسي منها واحدة .

قال الحسن :
 
 ما زالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيراً من الحلال مخافة الحرام .

قال أبو يزيد :
 
 ما زلت أقود نفسي إلى الله وهي تبكي ، حتى سقتها وهي تضحك .

قال الحسن :
 
 من علامة إعراض الله عن العبد أن يجعل شغله فيما لا يعنيه .

قال سهل :
 
 من اشتغل بالفضول حُرِم الورع .

قال معروف :
 
 كلام العبد فيما لا يعنيه ، خذلان من الله عز وجل .

قال يحيى بن معاذ :
 
القلوب كالقدور تغلي بما فيها ، وألسنتها مغارفها ، فانظر إلى الرجل حين يتكلم ، فإن لسانه يغترف لك مما في قلبه ، حلو .. حامض .. عذب .. أجاج .. وغير ذلك ، ويبين لك طعم قلبه اغتراف لسانه .

قال مالك بن دينار :
 
 إن الأبرار لتغلي قلوبهم بأعمال البر ، وإن الفجار تغلي قلوبهم بأعمال الفجور ، والله يرى همومكم ، فانظروا ما همومكم رحمكم الله .

قالت عائشة رضي الله تعالى عنها :
 
 أول بدعة حدثت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ الشبع ، إن القوم لما شبعت بطونهم ، جمحت بهم نفوسهم إلى الدنيا .

قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه :
 
 لا تجالس أهل الأهواء فإن مجالستهم ممرضة للقلب .

قال أبو الجوزاء :
 
 لأن أجالس الخنازير ، أحب إلي من أن أجالس رجلاً من أهل الأهواء .

قال ابن القيم رحمه الله تعالى :
 
 كل ما كان في القرآن من مدح للعبد فهو من ثمرة العلم ، وكل ما كان فيه من ذم فهو من ثمرة الجهل .

قال الشاطبي رحمه الله :
 
 آخر الأشياء نزولا من قلوب الصالحين : حب السلطة والتصدر .

قال ابن القيم رحمه الله :
 
 ولو لم يكن في العلم إلا القرب من رب العالمين والالتحاق بعالم الملائكة لكفى به شرفاً وفضلاً ، فكيف وعزّ الدنيا والآخرة منوط به مشروط بحصوله .

قال ابن الأثير :
 
 إن الشهوة الخفية : حب اطلاع الناس على العمل .

قال بشر بن الحارث :
 
 ما اتقى الله من أحب الشهرة .

قال علي رضي الله عنه :
 
يهتف العلم بالعمل ، فإن أجابه وإلا ارتحل .

قال بشر الحافي :
 
أدوا زكاة الحديث : فاستعملوا من كل مائتي حديث خمسة أحاديث .

قال الحسن :
 
إياك والتسويف ، فإنك بيومك ولست بغدك، فإن يكن غداً لك فكن في غد كما كنت في اليوم ، وإن لم يكن لك غد لم تندم على ما فرطت في اليوم .

قال محمد بن عبد الباقي :
 
ما أعلم أني ضيعت ساعة من عمري في لهو أولعب .

قال الذهبي :
 
 إن العلم ليس بكثرة الرواية ، ولكنه نور يقذفه الله في القلب ، وشرطه الاتباع ، والفرار من الهوى والابتداع .

قال ابن عباس رضي الله عنهما :
 
 العالم الرباني هو الذي يعلم الناس صغار العم قبل كباره .

قال أحد السلف :
 
 إنما العلم مواهب يؤتيه الله من أحب من خلقه ، وليس يناله أحد بالحسب ، ولو كان لعلة الحسب لكان أولى الناس به أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم .

قيل للشعبي رحمه الله :
 
 من أين لك هذا العلم كله ؟ قال : بنفي الاعتماد ، والسير في البلاد ، وصبر كصبر الجماد ، وبكور كبكور الغراب .

قال الذهبي رحمه الله :
 
 ما خلا مجتمع من التغاير والحسد ، إلا ما كان في جانب الأنبياء والرسل عليهم السلام .

قال الشافعي رحمه الله :
 
 والله لو علمت أن الماء البارد يثلم من مروءتي شيئا ما شربت إلا حارا ً .

قيل لأحمد بن حنبل :
 
 كيف تعرف الكذابين ؟ قال : بمواعيدهم .

قال هرم بن حيان :
 
 ما أقبل عبدٌ بقلبه إلى الله ، إلا أقبل الله
بقلوب المؤمنين إليه حتى يرزقه ودهم .

دمتم بود

قصة أصحاب الرس
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
 
كان من قصتهم  :
 
أنهم كانوا يعبدون شجرة صنوبر , يقال لها ( شاهدرخت ) كان يافث بن نوح غرسها على شفير عين يقال لها ( روشنا آب ). وإنما سموا أصحاب الرس لأنهم رسوا نبيهم في الأرض , وذلك بعد سليمان عليه السلام وكانت لهم اثنتا عشرة قرية على شاطيء نهر يقال له الرس من بلاد المشرق , وبهم سمي النهر , ولم يكن يومئذ في الأرض نهر أغزر منه ولا أعذب منه ولا قرى أكثر ولا أعمر منها . وذكر عليه السلام أسماءها , وكان أعظم مداينهم اسفندار وهي التي ينزلها ملكهم , وكان يسمى تركوذ بن غابور بن يارش بن ساذن بن نمرود بن كنعان فرعون إ براهيم عليه السلام , وبها العين الصنوبرة وقد غرسوا في كل قرية منها حبة من طلع تلك الصنوبرة وأجروا إليها نهراً من العين التي عند الصنوبرة , فنبتت الحبة وصارت شجرة عظيمة وحرموا ماء العين والأنهار , فلا يشربون منها ولا أنعامهم , ومن فعل ذلك قتلوه , ويقولون هو حياة آلهتنا فلا ينبغي لأحد أن ينقص من حياتنا ويشربون هم وأنعامهم من نهر الرس الذي عليه قراهم , وقد جعلوا في كل شهر من السنة في كل قرية عيداً يجتمع إليه أهلها فيضربون على الشجرة التي بها كلة من حرير فيها من أنواع الصور ثم يأتون بشاة وبقر فيذبحونها قرباناً للشجرة , ويشعلون فيها النيران بالحطب , فإذا سطع دخان تلك الذبائح وقتارها في الهواء وحال بينهم وبين النظر إلى السماء خرو سجداً يبكون ويتضرعون إليها أن ترضى عنهم.

فكان الشيطان يجيء فيحرك أغصانها ويصيح من ساقها صياح الصبي أن قد رضيت عنكم عبادي فطيبوا نفساً وقروا عيناً. فيرفعون رؤوسهم عند ذلك ويشربون الخمر ويضربون بالمعازف ويأخذون الدستبند – يعني الصنج – فيكونون على ذلك يومهم وليلتهم ثم ينصرفون. وسميت العجم شهورها إشتقاقاً من تلك القرى.
 
حتى إذا كان عيد قريتهم العظمى إجتمع إليها صغيرهم وكبيرهم فضربواعند الصنوبرة والعين سرادقاً من ديباج عليه من أنواع الصور وجعلوا له اثنا عشر باباً كل باب لأهل قرية منهم ويسجدون للصنوبرة خارجاً من السرادق ويقربون لها الذبائح أضعاف ما قربوا للشجرة التي في قراهم.

فيجيء إبليس عند ذلك فيحرك الصنوبرة تحريكاً شديداً ويتكلم من جوفها كلاماً جهورياً ويعدهم ويمنيهم بأكثر مما وعدتهم ومنتهم الشياطين كلها فيحركون رؤوسهم من السجود وبهم من الفرح والنشاط ما لا يعيقون ولا يتكلمون من الشرب والعزف فيكونون على ذلك اثنا عشر يوماً لياليها بعدد أعيادهم سائر السنة ثم ينصرفون. فلما طال كفرهم بالله عز وجل وعبادتهم غيره , بعث الله نبياً من بني إسرائيل من ولد يهودا بن يعقوب , فلبث فيهم زماناً طويلا يدعوهم إلى عبادة الله عز وجل ومعرفة ربوبيته , فلا يتبعونه.

فلما رأى شدة تماديهم في الغي وحضر عيد قريتهم العظمى , قال: يا رب ان عبادك أبوا إلا تكذيبي وغدوا يعبدون شجرة لا تضر ولا تنفع , فأيبس شجرهم اجمع وأرهم قدرتك وسلطانك. فأصبح القوم وقد أيبس شجرهم كلها , فهالهم ذلك , فصاروا فرقتين , فرقة قالت: سحر آلهتكم هذا الرجل الذي زعم أنه رسول رب السماء والأرض إليكم ليصرف وجوهكم عن آلهتكم إلى إلهه. وفرقة قالت: لا , بل غضبت آلهتكم حين رأت هذا الرجل يعيبها ويدعوكم إلى عبادة غيرها فحجب حسنها وبهاؤها لكي تغضبوا لها. فتنصروا منه وأجمع رأيهم على قتله , فاتخذوا أنابيب طوالا ونزحوا ما فيها من الماء , ثم حفروا في قرارها بئراً ضيقة المدخل عميقة وأرسلوا فيها نبيهم , وألقموا فاها صخرة عظيمة , ثم أخرجوا الأنابيب من الماء وقالوا: نرجوا الآن أن ترضى عنا آلهتنا إذا رأت إنا قد قتلنا من يقع فيها ويصد عن عبادتها ودفناه تحت كبيرها يتشفى منه فيعود لنا نورها ونضرتها كما كان.
فبقوا عامة يومهم يسمعون أنين نبيهم عليه السلام وهو يقول: سيدي قد ترى ضيق مكاني وشدة كربي , فارحم ضعف ركني , وقلة حيلتي , وعجل بقبض روحي ولا تؤخر إجابة دعوتي , حتى مات. فقال الله جل جلاله لجبرئيل عليه السلام : أيظن عبادي هؤلاء الذين غرهم حلمي وأمنوا مكري وعبدوا غيري وقتلوا رسولي أن يقوموا لغضبي أو يخرجوا من سلطاني كيف وأنا المنتقم ممن عصاني ولم يخش عقابي , وإني حلفت بعزتي لأجعلنهم نكالاً وعبرة للعالمين.

فلم يرعهم وهم في عيدهم ذلك إلا بريح عاصف شديد الحمرة , فتحيروا فيها وذعروا منها وتضام بعضهم إلى بعض , ثم صارت الأرض من تحتهم حجر كبريت يتوقد وأظلتهم سحابة سوداء , فألقت عليهم كالقبة جمراً يلتهب , فذابت أبدانهم كما يذوب الرصاص بالنار. فنعوذ بالله تعالى من غضبه ونزول نقمته ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

وفي كتاب ( العرائس ) : أهل الرس كان لهم نبي يقال له حنظلة بن صفوان وكان بأرضهم جبل يقال له فتح مصعدا في السماء سيلا , وكانت العنقا تتشابه وهي أعظم ما يكون من الطير وفيها من كل لون. وسموها العنقا لطول عنقها وكانت تكون في ذلك الجبل تنقض على الطير تأكل , فجاءت ذات يوم , فأعوزها الطير , فانقضت على صبي فذهبت به , ثم إنها انقضت على جارية فأخذتها فضمتها إلى جناحين لها صغيرين سوى الجناحين الكبيرين. فشكوا إلى نبيهم , فقال: اللهم خذها واقطع نسلها فأصابتها صاعقة فاحترقت فلم ير لها أثر , فضربتها العرب مثلا في أشعارها وحكمها وأمثالها.

ثم أن أصحاب الرس قتلوا نبيهم , فأهلكهم الله تعالى , وبقي نهرهم ومنازلهم مائتي عام لا يسكنها أحد. ثم أتى الله بقرن بعد ذلك فنزلوها , وكانوا صالحين سنين , ثم أحدثوا فاحشة جعل الرجل يدعوا ابنته وأخته وزوجته فيعطيها جاره وأخاه وصديقه يلتمس بذلك البر والصلة. ثم ارتفعوا من ذلك إلى نوع أخزى , ترك الرجال للنساء حتى شبقن واستغنوا بالرجال , فجاءت شيطانتهن في صورة امرأة وهي الدلهات كانتا في بيضة واحدة فشهت إلى النساء ركوب بعضهن بعضاً وعلمتهن كيف يضعن , فأصل ركوب النساء بعضهن بعضاً من الدلهات.
فسلط الله على ذلك القرن صاعقة في أول الليل وخسفاً في آخر الليل وخسفاً مع
الشمس , فلم يبق منهم باقية وبادت مساكنهم , وأحسبها اليوم لا تسكن.

دمتم بود
قصة أصحاب السبت

السلام عليكم و رحمة الله  و بركاته

أبطال هذه الحادثة، جماعة من اليهود، كانوا يسكنون في قرية ساحلية. اختلف المفسّرون في اسمها، ودار حولها جدل كثير. أما القرآن الكريم، فلا يذكر الاسم ويكتفي بعرض القصة لأخذ العبرة منها.

وكان اليهود لا يعملون يوم السبت، وإنما يتفرغون فيه لعبادة الله. فقد فرض الله عليهم عدم الانشغال بأمور الدنيا يوم السبت بعد أن طلبوا منه سبحانه أن يخصص لهم يوما للراحة والعبادة، لا عمل فيه سوى التقرب لله بأنواع العبادة المختلفة.

وجرت سنّة الله في خلقه. وحان موعد الاختبار والابتلاء. اختبار لمدى صبرهم واتباعهم لشرع الله. وابتلاء يخرجون بعده أقوى عزما، وأشد إرادة. تتربى نفوسهم فيه على ترك الجشع والطمع، والصمود أمام المغريات.

لقد ابتلاهم الله عز وجل، بأن جعل الحيتان تأتي يوم السبت للساحل، وتتراءى لأهل القرية، بحيث يسهل صيدها. ثم تبتعد بقية أيام الأسبوع. فانهارت عزائم فرقة من القوم، واحتالوا الحيل –على شيمة اليهود- وبدوا بالصيد يوم السبت. لم يصطادوا السمك مباشرة، وإنما أقاموا الحواجز والحفر، فإذا قدمت الحيتان حاوطوها يوم السبت، ثم اصطادوها يوم الأحد. كان هذا الاحتيال بمثابة صيد، وهو محرّم عليهم.

فانقسم أهل القرية لثلاث فرق. فرقة عاصية، تصطاد بالحيلة. وفرقة لا تعصي الله، وتقف موقفا إيجابيا مما يحدث، فتأمر بالمعروف وتنهى عن المكر، وتحذّر المخالفين من غضب الله. وفرقة ثالثة، سلبية، لا تعصي الله لكنها لا تنهى عن المكر.

وكانت الفرقة الثالثة، تتجادل مع الفرقة الناهية عن المنكر وتقول لهم: ما فائدة نصحكم لهؤلاء العصاة؟ إنهم لن يتوفقوا عن احتيالهم، وسيصبهم من الله عذاب أليم بسبب أفعالهم. فلا جدة من تحذيرهم بعدما كتب الله عليهم الهلاك لانتهاكهم حرماته.

وبصرامة المؤمن الذي يعرف واجباته، كان الناهون عن المكر يجيبون: إننا نقوم بواجبنا في الأمر بالمعروف وإنكار المنكر، لنرضي الله سبحانه، ولا تكون علينا حجة يوم القيامة. وربما تفيد هذه الكلمات، فيعودون إلى رشدهم، ويتركون عصيانهم.

بعدما استكبر العصاة المحتالوا، ولم تجد كلمات المؤمنين نفعا معهم، جاء أمر الله، وحل بالعصاة العذاب. لقد عذّب الله العصاة وأنجى الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر. أما الفرقة الثالثة، التي لم تعص الله لكنها لم تنه عن المكر، فقد سكت النصّ القرآني عنها. يقول سيّد قطب رحمه الله: "ربما تهوينا لشأنها -وإن كانت لم تؤخذ بالعذاب- إذ أنها قعدت عن الإنكار الإيجابي, ووقفت عند حدود الإنكار السلبي. فاستحقت الإهمال وإن لم تستحق العذاب" (في ظلال القرآن).

لقد كان العذاب شديدا. لقد مسخهم الله، وحوّلهم لقردة عقابا لهم لإمعانهم في المعصية.

وتحكي بعض الروايات أن الناهون أصبحوا ذات يوم في مجالسهم ولم يخرج من المعتدين أحد. فتعجبوا وذهبوا لينظرون ما الأمر. فوجودا المعتدين وقد أصبحوا قردة. فعرفت القردة أنسابها من الإنس, ولم تعرف الإنس أنسابهم من القردة; فجعلت القردة تأتي نسيبها من الإنس فتشم ثيابه وتبكي; فيقول: ألم ننهكم! فتقول برأسها نعم.

الروايات في هذا الشأن كثيرة، ولم تصح الكثير من الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأنها. لذا نتوقف هنا دون الخوض في مصير القردة، وكيف
عاشوا حياتهم بعد خسفهم.
 
دمتـم بود
قصة أصحاب الأخدود
السلام عليكم و حمة الله  و بركاته
 
(والسماء ذات البروج، وشاهد ومشهود، قتل أصحاب الأخدود، النار ذات الوقود، إذ هم عليها قعود، وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود، وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله
العزيز الحميد، الذي له ملك السماوات والأرض، والله على كل شيء شهيد).
إن هذه الآيات تحملُ قصةَ أصحابِ الأخدود، هؤلاء اللذين فتنوا في ديِنهم..

هؤلاء اللذين أحرقوا في خنادقِ النارِ مع نسائهم وأطفالِهم. وما نقموا منهم إلا أن يأمنوا بالله العزيز الحميد. وكان نكالاً دنيوياً بالغَ القسوة. وجريمةً نكراء عندما يقادُ أولئك المؤمنون الأطهارِ إلى خنادقَ وحفر أضرمت فيها النار هم ونسائهم وأطفالهم ليلقوا فيها لا لشيء إلا لأنهم أمنوا بالله جل وعلا. حتى تأتي المرأةُ معها طفلُها الرضيعُ تحملُه، حتى إذا أوقفت على شفيرِ الحفرةِ والنارُ تضطرمُ فيها تكعكعت، لا خوفاً من النار ولكن رحمةً بالطفل. فيُنطقُ اللهُ الطفلَ الرضيع ليقولَ لها مؤيدا مثبتاً مصبرا: يا أمه اصبري فأنك على الحق. فتتقحم المرأةُ الضعيفةُ والطفل الرضيع تتحقحمان هذه النار. إنه مشهدُ مريعُ وجريمةُ عظيمةٌ يقصُ القرآنُ خبرها ويخبر بشأنها فإذا هي قصةُ مليئةُ بالدروسُ مشحونة بالعبر فهل من مدكر؟ ولكنا نطوي عبرَها كلها ونعبرَها لنقف مع آيةٍ عظمى، آية عظمى تومض من خلال هذا العرض للقصة، إن هذه الآيات قد ذكرت تلك الفتنة العظيمةَ وذكرت تلك النهايةُ المروعةُ الأليمة لتلك الفئةُ المؤمنة، والتي ذهبت مع آلامها الفاجعة في تلك الحفرُ التي أضرمت فيها النار. بينما لم يرد خبرُ في الآياتِ عن نهايةِ الظالمين اللذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات: لم تذكرُ الآياتُ عقوبةُ دنيوية حلت بهم. لم تذكر أن الأرض خسفت بهم. ولا أن قارعة من السماءِ نزلتَ عليهم. انتهاء عرضُ القصةِ بذكرِ مصيرِ المؤمنين وهم يُلقونَ في الأخدود. والإعراض عن نهاية الظالمين الذين قارفوا تلك الجريمة فلم تُذكر عقوبتهم الدنيوية ولا الانتقام الأرضي منهم. فلما أغفل مصيرُ الظالمينَ ؟ أهكذا ينتهي الأمر، أهكذا تذهبُ الفئةُ المؤمنةُ مع آلامها واحتراقها بنسائِها وأطفالِها في حريق الأخدود؟ بينما تذهب الفئةُ الباغية الطاغية التي قارفت تلك الجريمة تذهبُ ناجية؟ هنا تبرزٌ الحقيقةُ العظمى التي طالما أفادت فيها آياتُ الكتاب وأعادت، وكررت وأكدت وهي: أن ما يجري في هذا الكون لا يجري في غفلةٍ من اللهِ جل وعلا، وإنما يجري في ملكِه. ولذا جاء التعقيبُ بالغ الشفافية: ( وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد الذي له ملك السماوات والأرض). فهذا الذي جرى كلِه جرى في ملكِه ليس بعيدا عن سطوتِه، وليسَ بعيدا عن قدرتِه إنما في ملكه: (والله على كلِ شيء شهيد). فهذا الذي جرى لم يجري في غفلةٍ من الله ولا في سهو من الله. كلا… ولكن جرى والله على كل شيء شهيد، شهيدُ على ذلك مطلعُ عليه. إذا فأين جزاء هؤلاء الظالمين ؟ كيف يقترفون ما قارفوا، ويجترمون ما اجترموا ثم يفلتون من العقوبة؟ يأتي الجوابُ، كلا لم يفلتوا. إن مجال الجزاء ليس الأرضَ وحدَها. وليسَ الحياةَ الدنيا وحدها، إن الخاتمةَ الحقيقةَ لم تجئ بعد، وإن الجزاءَ الحقيقيُ لم يجئ بعد. وإن الذي جرى على الأرض ليسَ إلا الشطر الصغير الزهيد اليسير من القصة. أما الشطرُ الأوفى والخاتمةُ الحقيقةُ والجزاء الحقيقي فهناك: (إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق). هولا الذين أحرقوا المؤمنين في الأخدود سيحرقون ولكن أين؟ أين ؟ في جهنم. في جهنم، إن الذين أحرقوا المؤمنين في الدنيا سيحرقون ولكن في الآخرة. وما أعظمَ الفرقَ بين حريقٍ وحريق! أين حريقُ الدنيا بنارٍ يوقدُها الخلق، من حريقِِ الآخرةِ بنارٍ يوقدُها الخالق ؟ أين حريقُ الدنيا الذي ينتهي في لحظات، من حريقِِ الآخرةِ الذي يمتدُ إلى آبادٍ لا يعلمُها إلا الله ؟ أين حريقُ الدنيا الذي عاقبتُه رضوانُ الله، من حريقِ الآخرةِ ومعهُ غضبُ الله ؟ هذا المعنى الضخم الذي ينبغي أن تشخصَ الأبصارُ إليه وهو الارتباطُ بالجزاء الأخروي رهبة ورغبة. أما الدنيا فلو كانت تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربةَ ماء. إن الدنيا هينةُ على الله جل وعلا: مر النبيُ (صلى الله عليه وسلم) وأصحابُه معه، مروا في طريقهم فإذا سباطة قوم، تلقى عليها النفايات، الفضلات، الجيف. فإذا بالرسول (صلى الله عليه وسلم) ينفردُ عن أصحابه ويتجه صوب سباطة هؤلاء القوم ليأخذَ من القمامة الملاقاة عليها جيفة تيس مشوهِ الخلقةِ قد مات، مشوه الخلقة، صغير الأذن قد انكمشت أذنه. فأمسك النبيُ (صلى الله عليه وسلم) بهذا التيس الميتَ فرفعه. ثم أقام مزاداً علنياً ينادي على هذه الجيفة الميتة، فيقول مخاطبا أصحابه: آيكم يحبُ أن يكونَ هذا له بدرهم ؟ من يشتري هذا التيس المشوه بدرهم؟ وعجب الصحابة من هذا المزاد على سلعة قيمتها الشرائية صفر. ليس لها قيمة شرائية ولذا ألقيت مع الفضلات. قالوا يا رسولَ الله، والله لقد هانَ هذا التيس على أهلهِ حتى ألقوه على هذه السباطة، لو كان حيا لما ساوى درها. لأنه مشوه. فكيف وهو ميت؟ لقد هان على أهله حتى ألقوه هنا، فكيف يزاد عليه بدرهم ؟ فألقاهُ النبي (صلى الله عليه وسلم) وهوت الجيفة على السباطة والنبي (صلى الله عليه وسلم) يقول: لدنيا أهونُ على الله من هذا على أحدِكم. إن الدنيا هينةُ على الله، ومن هوانها أنها أهونُ من هذه الجيفةُ التي ألقيتموها واستغربتم أن يزاد عليها ولو بدرهمٍ يسير. فقيمتها الشرائية صفر، ليس لها قيمة. وإذا كانتِ الدنيا هينةُ على اللهِ هذا الهوان، فإن اللهَ جلا جلاله لم يرضها جزاءً لأوليائِه. وأيضا لم يجعلَ العذابُ فيها والعقوبة فيها هي الجزاءُ الوحيدُ لأعدائه. كلا إن الدنيا أهونُ على الله، بل لولا أن يفتن الناس، لولا أن تصيبهم فتنة لجعل الله هذه الدنيا بحذافيرها وزينتها وبهجتها ومتاعها جعلها كلها للكافرين. أستمع إلى هذه الآيات: (ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون، ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكئون، وزخرفا وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين). أما الدنيا فأهون على الله من أن يجعلها للمتقين جزاء، أو يجعل العذاب فيها فقط جزاء الكافرين. كلا.. لولا أن تفتن قلوب الناس لأعطى الدنيا للكافرين، كل ذلك قليلُ وحقير وتافه: (وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين). ولكن قلةَ هذا المتاع وضآلته وتفاهته لا تظهرُ إلا إذا قورن بالعمرِ الأبديِ الخالدِ في الآخرة. هناك تظهرُ قلةَ هذا المتاع. ولذا لما ذكر اللهُ زهو الكافرين ومظاهر القوة التي يتمتعون بها، وتقلبَهم في البلاد واستيلائهم عليها، ذكر ذلك وعبر عنه بقوله جل وعل متاع قليلا: (لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد). (قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار). نعم قليلا، تمتع بكفرك قليلا، قد يكون هذا القليل ستون سنة. قد يكون سبعون، قد يكون مائة، ولكن كم تساوي هذه الومضة في عمر الخلود الأبدي في الآخرة؟ كم تساوي هذه الومضة في عمر أبدي خالد في دار الجزاء. (قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين ،قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العادين). قالوا يوما..ثم تكاثروا اليوم فرجعوا أو بعض يوم فسأل العادين. (قال إن لبثتم إلا قليلا). كان هذا القليل عشرات السنين، ولكنها أصبحت في عمر الخلود الأبدي في الآخرة يوما، كلا فاليوم كثير، بعض يوم، بعض يوم وهم مستيقنون أنه بعض يوم فاسأل العادين. (قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنت تعلمون). هناك يأتي الجزاءُ الحقيقي. ولذا كانت آياتُ القرآنِ تتنزل على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) تخاطبه وتلفتُ أنظارَ المؤمنين معه إلى أن القِصاص الحقيقي، والعقوبةَ الحقيقةَ والجزاءُ الذي ينتظرُ الظالمين والمتكبرين والمتجبرين من الكفار والفجرة والظلمة هناك: (إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم). (وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون). قد ترى شيئا من عقوبتهم وقد يتوفاك قبل ذلك. ولكن العبرةُ بالمرجع إلينا، وهناك سيلفون على ربٍ كان شهيداً على فعلهم كلِه، كلِ الذي فعلُوه لم يكن خافيا على الله، كان مطلعاً عليه: (فذرهم يخوضوا ويلعبوا، حتى يلاقوا يومَهم الذي يوعدون). حينها كيف سيكون حالهم؟ (يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفون، خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون). وطالما نظرت أبصارهم بجرائه. وطالما اشمخرت أنوفهم بكبرياء. أما اليوم فأبصارهم خاشعة، وكبريائهم ذليلة، لماذا ؟ ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون. لأنهم في يوم الموعد، لقد وعدوا ذلك اليومَ. وعدوا به في الدنيا ولكن استهانوا واستخفوا فما بالوا وما اكترثوا ولا استعدوا فما أسرعَ ما لقوه. وما أسرع ما شاهدوه. وما أسرع ما أحاطَ بهم أمره، ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون. هنا أيها المؤمنون بلقاء الله جل وعلا تأثرُ هذه الحقيقةُ العظمى في نفسِ المؤمنِ ووجدانِه. فيعلم أن من اجترأ على الله وإن عاش كما يعيشُ الناس. بل ومات كما يموت الناس فإن الجزاء الحقيقيَ ينتظر هناك. إن الدنيا ليست دارُ جزاء ولكن دارُ عمل، وأما الآخرةُ فهي دارُ جزاء ولا عمل. نعم قد يعجلُ اللهُ العقوبة لبعضِ المتمردين لحكمةٍ يعلمها. فأهلك قومَ نوحٍ، وقوم هود وقوم صالح، أهلك أمما، وأهلك أفرادا. أهلك فرعون وقارون وهامان وأبا جهل وأبي ابن خلف. ولكن هذا تعجيل لبعض العقوبة، وقد يتخلف هذا التأجيل فتدخر العقوبةُ كلُها ليوافي المجرم يوم القيامة فإذا عقوبته كاملة لم يعجل له منها شيء. ولكن كل ما قارفَه في الدنيا، وإن عاش في الدنيا كما يعيش الناس، وتمتع في الدنيا كما يتمتع الناس، ثم مات ميتة طبيعية كما يموت الناس فإن كل ما فعله لم يكن يتم في غفلة من الله: (ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار، ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار، مهطعين مقنعي رؤوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء). هنا نعلم أنه ليس بالحتم أن تحلَ العقوبةُ بالظالمينَ في الدنيا. ليس بالحتم أن يعجلوا بالعقوبة. ولكن الذي نحن منه على يقين أن ظلمَهم واجترائَهم على الله، وانتهاكَهم لحرماتِ الله،لم يجري في غفلةٍ من الله. ثم ليست كلُ عقوبةٍ لابد أن تكون ماثلةً للعيان، فهناك عقوباتُ تدبُ وتسرب إلى المعاقبينَ بخفية، تسري فيهم وتمضي منهم وتتمكن من هؤلاء وهم لمكر الله بهم لا يشعرون. قد يملي اللهُ لظالمِ ولكن ليزدادَ من الإثمِ وليحيطَ به الظلمُ، ثم يوافي اللهَ بآثام كلِها وجرائمهِ كلِها ليوافي حينئذٍ جزاءه عند ربٍ كان في الدنيا مطلعاً عليه شهيداً عليه رقيبا عليه. (ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين). ليزدادوا إثما، وأنظر إلى عقوبة أخرى: (ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين، فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون). فماذا كانت العقوبة ؟ هل احترقت أموالهم؟ هل قصمت أعمارهم؟ هل نزلت عليهم قارعة من السماء؟ هل ابتلعتهم الأرض؟ ماذا كانت العقوبة التي حلت بهم؟ أستمع إلى العقوبة: (فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون). كان الجزاء أن أعقبهم الله نفاقا مستحكما في القلوب إلى يوم يلقونه، فهو حكم عليهم بسوء الخاتمة. (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون). (بل طبع الله عليها بكفرهم). هذه عقوبات تسرب إلى القلوب في غفلة من الناس ومن الظالمِ نفسه، ولكنها عقوبات بالغة الخطورة. ولكن العبرة بالمصير، بالمصير يوم يفضي هذا الظالم إلى الله جل جلاله فيوافي عقوبة لا يستطيع أحدا من البشر، من الخلق الذين كانوا في الدنيا يحبونه، ويوالونه وينصرونه، لا يستطيع أحد منهم أن ينصره أو يكفيه أو يتحمل عنه شيئا من العذاب. كانوا في الدنيا يقولون له نحن فداك، نحن نكفيك. لكن في الآخرة لا فداء لأن الفداء نار تلظى، لأن الفداء نار شديدة محرقة وخلود فيها، فمن الذي يفدي؟ (يبصرونهم يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه، وصاحبته وأخيه، وفصيلته التي تؤويه، ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه). يود ذلك! لكن يأتي الجواب ..كلا: (كلا إنها لظى، نزاعة للشوى، تدعو من أدبر وتولى). فمن الذي عنده استعداد للفداء. أمة الإسلام، أيها المؤمنون بالله ولقائه نفضي من هذا كله إلى وقفات سريعة: الوقـفة الأولى: أنا إذا رأينا أملا اللهِ للظالمين وتمكينه للمجرمين فينبغي أن نعلم باليقين وإلا فنحن نعلم بالإيمان أن الجزاءَ مدخرٌ هناك، ولذا فلا دعي للبحث عن كوارث دنيوية تحل بهم. إنك تشفق على بعض الطيبين عندما تراهم يجهدون أنفسهم في البحث عن عقوبة دنيوية حلت بهذا الظالم أو ذاك المجرم، حتى إذا لم يجدوا شيئا قالوا الموت هو العقوبة.. كلا. لقد مات الأطهار والأبرار والرسل الكرام، ولكن العبرة هناك في دار الجزاء. الوقـفة الثانية: أن لا يغترَ أحدُ بأي مظهرٍ من مظاهر القوةِ أُتيها، فمظاهرُ القوةِ في الدنيا نسبية، ولكنها كلها على تفاوتها تتعطل حينما يوقفُ العبدُ بين يدي اللهَ جل جلاله. إن الرجل يتمتع بقوة نسبية على المرأة تلك التي لا تملك إلا الدموع تستنصر بها. لكن عليه أن يتذكر أنه إن ظلمها فلم تستطع أن تنتصر منه في الدنيا ومشى أمام الناس بطوله ورجولته فهناك موعد تذهب فيه قوته وقوامته ويتم القِصاص منه للمظلوم ولو كان ضعيفا. يتذكر شرطي المرور أو الدوريات: أنه عندما يأمر بمسكين إلى التوقيف، ثم يوقف ذلك المسكين دون أن يسائل هو، وإن سؤل فهو المصدق، ثم يذهب هو إلى بيته ويجلس إلى أهله ويتناول طعامه. وذاك في التوقيف يحاول الاتصال بأهله هاتفيا وقد لا يستطيع. ليتذكر أن هذه القوة الدنيوية ستنمحي، ستنمحي وسيوقف هو وهذا الذي ظلمه فلم يجد في الدنيا من ينتصر له، سيوقف هو وإياه بين يدي من ينتصر له. ليتذكر الكفيل غربة العامل وحاجة العامل: فيجور عليه ويكلفه بما ليس من عمله ويماطله في حقه، ليتذكر أن هذه الفوارق ستنتهي. وهذه القوة الجزئية التي يتمتع بها ستنمحي. وهذا الضعف الذي يهيمن على هذا العامل الآن سيذهب. وسيوقفان جميعا بين يدي رب لا يظلم أحدا، وليس أمامه تمايز في القوى. إن القوة التي تستمدها من جنسيتك أو بلدك ستذهب لأنك ستحشر ولك ليس في بلدك وستوقف أمام الله وليست معك جنسيتك، ولكن بين يدي رب لا يظلم أحدا. ليتذكر المسؤول الإداري مهما كانت منزلته، مهما كانت مسئوليته: أنه عندما يجور على موظف بنقل تعسفي. أو جور إداري وهو مطمئن إلى أن هذا الموظف لا يستطيع أن ينتصف منه في الدنيا. وأن المسؤول الأعلى وإن علا مصدق له مكذب للموظف المسكين. ليتذكر أن هذا يدور في أرض لا يعزب عن الله فيها شيء، وأن هذا التفاوت في القوة سينتهي وينمحي وستوقف أنت وإياه بين يدي رب لا يظلم أحد. قد لا تفضي إليك العقوبة في الدنيا، قد تنال ترقياتك كاملة ورواتبك موفاة وتنال تقاعدك أو تأمينك بانتظام، بل وتموت من غير عاهة مستعصية، ولكن كل ذلك لا يعني أنك قد أفلت من عقوبة. التاجر الذي يستغل ذكائه التجاري فيدلس على محتاج أتى إلى سلعة: ويستغل عبارة ركيكة مكتوبة في آخر الوصفة (البضاعة التي تشترى لا ترد ولا تستبدل). ينبغي أن يتذكر أن هناك موقفا لا تجديه فيه هذه الورقة، ولا ينفعه فيه الذكاء التجاري لأنه موقف بين يدي علام الغيوب المطلع على السر وأخفى. ليتذكر كل من يتمتع بأي مظهر من مظاهر هذه القوة: أن هذه القوة وإن كثرت وقويت فهي تنتهي سريعا وتمضي جميعا. والعبرة بالمثول بين يدي رب تنتهي كل موازين القوى أمامه جل وتقدس وتعالى. أما أنت أيها المظلوم فتذكر أن الله ناصرك لا محالةَ لأنك في ملكِ من حرم الظلمَ على نفسه، وحرمَه بين عباده، وسينتهي بك المصيرُ إلى يومٍ يقتصُ اللهُ فيه للشاة الجماء من الشاة القرناء، فكيف بك أنت! لن يفوت شيء من حقك في الآخرة وإن فات في الدنيا. الوقفة الثالثة: أن هذا المعنى وهو انتظار الجزاء الأخروي كما هو دافع رهبة فهو دافع رغبة. توفي زين العابدين على أبن الحسين، فلما وضع على لوح الغسل وجد المغسلون في أكتافه ندوبا سوداء، فتفكروا ! مما أتت هذه الندوب في ظهر هذا الرجل الصالح؟ وأكتشف الأمر بعد، لقد كان هذا العابد يستتر بظلمة الليل وحلكة الظلام ينقل أكياس الطعام إلى أسر فقيرة لا يدرون من الذي كان يأتيهم بها، عرفوا بعدما مات فانقطعت تلك الصلة من الطعام. ما الذي يحمل زيد العابدين على أن يتوارى بعمل الخير ويستتر به ؟ إن الذي يحمله على ذلك انتظار الجزاء الأخروي، يريد أن يوافي ربه بأجره موفورا. وكذا كل منا عليه أن يجعل بينه وبين ربه معاملة خاصة سر بينه وبين الله يجهد جهده أن لا يطلع عليها أحد من الخلق حتى يوافي ربه بعمل يستوفي جزاءه منه. الوقفة الأخيرة: وما هي بأخيرة، أن في استحضار هذا الأمر مدد للسائرين في طريق العمل للدين والدعوة إلى الله. إن الذي يشخص ببصره إلى الجزاء الأخروي ينظر إلى العوائق فإذا هي يسيرة. وإلى الصعوبات فإذا هي هينة. وإلى الضيق فإذا هو سعة لأنه ينتظر جزاء أتم وأوفى. قتل مصعب أبن عمير، وقتل حمزة أبن عبد المطلب فلم يوجد ما يوارى به أحدهم إلا بردة إن غطي بها رأسه بدت رجلاه وإن غطيت بها رجلاه بدأ رأسه، فأمر نبيك (صلى الله عليه وسلم) أن تغطى رؤوسهما وأن يوضع على أرجلهما من ورق الشجر. هكذا انتهت حياة العمل للدين من غير أن يتعجل شيء من أجورهم أو يروا شيئا من جزائهم. ولكن عند الله الموعد وعنده الجزاء الأوفى.

دمتـم بود


قصة أصحاب الفيل
السلام عليكم و رحمة الله  بركاته
 
كانت اليمن تابعة للنجاشي ملك الحبشة. وقام والي اليمن (أبرهة) ببناء كنيسة عظيمة، وأراد أن يغيّر وجهة حجّ العرب. فيجعلهم يحجّون إلى هذه الكنيسة بدلا من بيت الله الحرام. فكتب إلى النجاشي: إني قد بنيت لك أيها الملك كنيسة لم يبن مثلها لملك كان قبلك, ولست بمنته حتى أصرف إليها حج العرب. إلا أن العرب أبوا ذلك، وأخذتهم عزتهم بمعتقداتهم وأنسابهم. فهم أبناء إبراهيم وإسماعيل، فكيف يتركون البيت الذي بناه آباءهم ويحجّوا لكنيسة بناها نصراني! وقيل أن رجلا من العرب ذهب وأحدث في الكنيسة تحقيرا لها. وأنا بنو كنانة قتلوا رسول أبرهة الذي جاء يطلب منهم الحج للكنيسة.
فعزم أبرهة على هدم الكعبة. وجهّز جيشا جرارا، ووضع في مقدمته فيلا مشهورا عندهم يقال أن اسمه محمود. فعزمت العرب على تقال أبرهة. وكان أول من خرج للقاءه، رجل من أشراف من اليمن يقال له ذو نفر. دعى قومه فأجابوه، والتحموا بجيش أبرهة. لكنه هُزِم وسيق أسيرا إلى أبرهة.

ثم خرج نفيل بن حبيب الخثعمي، وحارب أبرهة. فهزمهم أبرهة وأُخِذَ نفيل أسيرا، وصار دليلا لجيش أبرهة. حتى وصلوا للطائف، فخرج رجال من ثقيف، وقالوا لأبرهة أن الكعبة موجودة في مكة –حتى لا يهدم بيت اللات الذي بنوه في الطائف- وأرسلوا مع الجيش رجلا منهم ليدلّهم على الكعبة! وكان اسم الرجل أبو رغال. توفي في الطريق ودفن فيها، وصار قبره مرجما عند العرب. فقال الشاعر:

وأرجم قبره في كل عام * * * كرجم الناس قبر أبي رغال

وفي مكان يسمى المغمس بين الطائف ومكة، أرسل أبرهة كتيبة من جنده، ساقت له أموال قريش وغيرها من القبائل. وكان من بين هذه الأموال مائتي بعير لعبد المطلب بن هاشم، كبير قريش وسيّدها. فهمّت قريش وكنانة وهذيل وغيرهم على قتال أبرهة. ثم عرفوا أنهم لا طاقة لهم به فتركوا ذلك .

وبعث أبرهة رسولا إلى مكة يسأل عن سيد هذا البلد, ويبلغه أن الملك لم يأت لحربهم وإنما جاء لهدم هذا البيت, فإن لم يتعرضوا له فلا حاجة له في دمائهم! فإذا كان سيد البلد لا يريد الحرب جاء به إلى الملك. فلما أخب الرسول عبد المطلب برسالة الملك، أجابه: والله ما نريد حربه وما لنا بذلك من طاقة. هذا بيت الله الحرام. وبيت خليله إبراهيم عليه السلام.. فإن يمنعه منه فهو بيته وحرمه, وإن يخل بينه وبينه فوالله ما عندنا دفع عنه.

ثم انطلق عبد المطلب مع الرسول لمحادثة أبرهة. وكان عبد المطلب أوسم الناس وأجملهم وأعظمهم. فلما رآه أبرهة أجله وأعظمه, وأكرمه عن أن يجلسه تحته, وكره أن تراه الحبشة يجلس معه على سرير ملكه. فنزل أبرهة عن سريره, فجلس على بساطه وأجلسه معه إلى جانبه. ثم قال لترجمانه: قل له: ما حاجتك? فقال: حاجتي أن يرد علي الملك مائتي بعير أصابها لي. فلما قال ذلك, قال أبرهة لترجمانه: قل له: قد كنت أعجبتني حين رأيتك, ثم قد زهدت فيك حين كلمتني! أتكلمني في مئتي بعير أصبتها لك وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه لا تكلمني فيه? قال له عبد المطلب: إني أنا رب الإبل. وإن للبيت رب سيمنعه. فاستكبر أبرهة وقال: ما كان ليمتنع مني. قال: أنت وذاك!.. فردّ أبرهة على عبد المطلب إبله.

ثم عاد عبد المطلب إلى قريش وأخبرهم بما حدث، وأمرهم بالخروج من مكة والبقاء في الجبال المحيطة بها. ثم توجه وهو ورجال من قريش إلى للكعبة وأمسك حلقة بابها، وقاموا يدعون الله ويستنصرونه. ثم ذهب هو ومن معه للجبل.

ثم أمر أبرهة جيشه والفيل في مقدمته بدخول مكة. إلا أن الفيل برك ولم يتحرك. فضربوه ووخزوه، لكنه لم يقم من مكانه. فوجّهوه ناحية اليمن، فقام يهرول. ثم وجّهوه ناحية الشام، فتوجّه. ثم وجّهوه جهة الشرق، فتحرّك. فوجّهوه إلى مكة فَبَرَك.

ثم كان ما أراده الله من إهلاك الجيش وقائده, فأرسل عليهم جماعات من الطير، مع كل طائر منها ثلاثة أحجار: حجر في منقاره, وحجران في رجليه, أمثال الحمص والعدس, لا تصيب منهم أحدا إلا هلك. فتركتهم كأوراق الشجر الجافة الممزقة. فهاج الجيش وماج، وبدوا يسألون عن نفيل بن حبيب; ليدلهم على الطريق إلى اليمن. فقال نفيل بن حبيب حين رأى ما أنزل الله بهم من نقمته:

أين المفر والإله الطالب * * * والأشرم المغلوب ليس الغالب

وقال أيضا:

حمدت الله إذ أبصرت طيرا * * * وخفت حجارة تلقى علينا

فكل القوم يسأل عن نفيـل * * * كأن علي للحبشان دينـا

وأصيب أبرهة في جسده، وخرجوا به معهم يتساقط لحمه قطعا صغيرة تلو الأخرى، حتى وصلوا إلى صنعاء, فما مات حتى انشق صدره عن قلبه كما تقول الروايات.

إن لهذه القصة دلالات كثيرة يصفا الأستاذ سيّد قطب رحمه الله في كتابه (في ظلال القرآن):

فأما دلالة هذا الحادث والعبر المستفادة من التذكير به فكثيرة . .

وأول ما توحي به أن الله - سبحانه - لم يرد أن يكل حماية بيته إلى المشركين، ولو أنهم كانوا يعتزون بهذا البيت, ويحمونه ويحتمون به. فلما أراد أن يصونه ويحرسه ويعلن حمايته له وغيرته عليه ترك المشركين يهزمون أمام القوة المعتدية. وتدخلت القدرة سافرة لتدفع عن بيت الله الحرام, حتى لا تتكون للمشركين يد على بيته ولا سابقة في حمايته, بحميتهم الجاهلية.

كذلك توحي دلالة هذا الحادث بأن الله لم يقدر لأهل الكتاب - أبرهة وجنوده - أن يحطموا البيت الحرام أو يسيطروا على الأرض المقدسة. حتى والشرك يدنسه, والمشركون هم سدنته. ليبقي هذا البيت عتيقا من سلطان المتسلطين, مصونا من كيد الكائدين.

ونحن نستبشر بإيحاء هذه الدلالة اليوم ونطمئن, إزاء ما نعلمه من أطماع فاجرة ماكرة ترف حول الأماكن المقدسة من الصليبية العالمية والصهيونية العالمية, ولا تني أو تهدأ في التمهيد الخفي اللئيم لهذه الأطماع الفاجرة الماكرة. فالله الذي حمى بيته من أهل الكتاب وسدنته مشركون, سيحفظه إن شاء الله, ويحفظ مدينة رسوله من كيد الكائدين ومكر الماكرين!

والإيحاء الثالث هو أن العرب لم يكن لهم دور في الأرض. بل لم يكن لهم كيان قبل الإسلام. كانوا في اليمن تحت حكم الفرس أو الحبشة. وكانت دولتهم حين تقوم هناك أحيانا تقوم تحت حماية الفرس. وفي الشمال كانت الشام تحت حكم الروم إما مباشرة وإما بقيام حكومة عربية تحت حماية الرومان. ولم ينج إلا قلب الجزيرة من تحكم الأجانب فيه. ولكنه ظل في حالة تفكك لا تجعل منه قوة حقيقية في ميدان القوى العالمية. وكان يمكن أن تقوم الحروب بين القبائل أربعين سنة, ولكن لم تكن هذه القبائل متفرقة ولا مجتمعة ذات وزن عند الدول القوية المجاورة. وما حدث في عام الفيل كان مقياسا لحقيقة هذه القوة حين تتعرض لغزو أجنبي.

وتحت راية الإسلام ولأول مرة في تاريخ العرب أصبح لهم دور عالمي يؤدونه. وأصبحت لهم قوة دولية يحسب لها حساب. قوة جارفة تكتسح الممالك وتحطم العروش, وتتولى قيادة البشرية, بعد أن تزيح القيادات الضالة. ولكن الذي هيأ للعرب هذا لأول مرة في تاريخهم هو أنهم نسوا أنهم عرب! نسوا نعرة الجنس, وعصبية العنصر, وذكروا أنهم ومسلمون. مسلمون فقط. ورفعوا راية الإسلام, وراية الإسلام وحدها. وحملوا عقيدة ضخمة قوية يهدونها إلى البشرية رحمة برا بالبشرية; ولم يحملوا قومية ولا عنصرية ولا عصبية. حملوا فكرة سماوية يعلمون الناس بها لا مذهبا أرضيا يخضعون الناس لسلطانه. وخرجوا من أرضهم جهادا في سبيل الله وحده, ولم يخرجوا ليؤسسوا إمبراطورية عربية ينعمون ويرتعون في ظلها, ويشمخون ويتكبرون تحت حمايتها, ويخرجون الناس من حكم الروم والفرس إلى حكم العرب وإلى حكمهم أنفسهم! إنما قاموا ليخرجوا الناس من عبادة العباد جميعا إلى عبادة الله وحده. عندئذ فقط كان للعرب وجود, وكانت لهم قوة, وكانت لهم قيادة. ولكنها كانت كلها لله وفي سبيل الله. وقد ظلت لهم قوتهم. وظلت لهم قيادتهم ما استقاموا على الطريقة. حتى إذا انحرفوا عنها وذكروا عنصريتهم وعصبيتهم, وتركوا راية الله ليرفعوا راية العصبية نبذتهم الأرض وداستهم الأمم, لأن الله قد تركهم حيثما تركوه، ونسيهم مثلما نسوه!

وما العرب بغير الإسلام? ما الفكرة التي قدموها للبشرية أو يملكون تقديمها إذا هم تخلوا عن هذه الفكرة? وما قيمة أمة لا تقدم للبشرية فكرة? إن كل أمة قادت البشرية في فترة من فترات التاريخ كانت تمثل فكرة. والأمم التي لم تكن تمثل فكرة كالتتار الذين اجتاحوا الشرق, والبرابرة الذين اجتاحوا الدولة الرومانية في الغرب لم يستطيعوا الحياة طويلا, إنما ذابوا في الأمم التي فتحوها. والفكرة الوحيدة التي تقدم بها العرب للبشرية كانت هي العقيدة الإسلامية, وهي التي رفعتهم إلى مكان القيادة, فإذا تخلوا عنها لم تعد لهم في الأرض وظيفة, ولم يعد لهم في التاريخ دور. وهذا ما يجب أن يذكره العرب جيدا إذا هم أرادوا الحياة, وأرادوا القوة، وأرادوا القيادة. والله الهادي من الضلال.
 
دمتـم بود
قصة أصحاب الكهف
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
 
قال الله تعالى:

أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا
إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا
فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا
ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى
وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا
هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا
وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا
وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا
وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا
وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا
إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا
وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا
سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا
وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا
قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا .
سورة الكهف


كان سبب نزول قصة أصحاب الكهف، وخبر ذي القرنين ما ذكره محمد بن إسحاق في "السيرة" وغيره،
أن قريشا بعثوا إلى اليهود يسألونهم عن أشياء يمتحنون بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسألونه عنها؛ ليختبروا ما يجيب به فيها
فقالوا:
سلوه عن أقوام ذهبوا في الدهر فلا يدري ما صنعوا، وعن رجل طواف في الأرض وعن الروح. فأنزل الله تعالى
وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ وقال ههنا:
أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا أي؛
ليسوا بعجب عظيم بالنسبة إلى ما أطلعناك عليه من الأخبار العظيمة، والآيات الباهرة والعجائب الغريبة. والكهف هو الغار في الجبل. قال شعيب الجبائي: واسم كهفهم حيزم. وأما الرقيم فعن ابن عباس أنه قال: لا أدري ما المراد به. وقيل: هو الكتاب المرقوم فيه أسماؤهم وما جرى لهم، كتب من بعدهم. اختاره ابن جرير وغيره. وقيل: هو اسم الجبل الذي فيه كهفهم. قال ابن عباس وشعيب الجبائي: واسمه بناجلوس. وقيل: هو اسم واد عند كهفهم. وقيل: اسم قرية هنالك. والله أعلم.
قال شعيب الجبائي: واسم كلبهم حمران. واعتناء اليهود بأمرهم ومعرفة خبرهم يدل على أن زمانهم متقدم على ما ذكره بعض المفسرين أنهم كانوا بعد المسيح، وأنهم كانوا نصارى. والظاهر من السياق أن قومهم كانوا مشركين يعبدون الأصنام. قال كثير من المفسرين والمؤرخين وغيرهم: كانوا في زمن ملك يقال له: دقيانوس. وكانوا من أبناء الأكابر. وقيل: من أبناء الملوك. واتفق اجتماعهم في يوم عيد لقومهم فرأوا ما يتعاطاه قومهم من السجود للأصنام والتعظيم للأوثان، فنظروا بعين البصيرة، وكشف الله عن قلوبهم حجاب الغفلة، وألهمهم رشدهم، فعلموا أن قومهم ليسوا على شيء، فخرجوا عن دينهم وانتموا إلى عبادة الله وحده لا شريك له. ويقال: إن كل واحد منهم لما أوقع الله في نفسه ما هداه إليه من التوحيد، انحاز عن الناس، واتفق اجتماع هؤلاء الفتية في مكان واحد، كما صح في البخاري الأرواح جنودة مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف فكل منهم سأل الآخر عن أمره وعن شأنه، فأخبره ما هو عليه، واتفقوا على الانحياز عن قومهم والتبري منهم والخروج من بين أظهرهم، والفرار بدينهم منهم، وهو المشروع حال الفتن وظهور الشرور.

قال الله تعالى:
نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ
أي؛ بدليل ظاهر على ما ذهبوا إليه وصاروا من الأمر عليه
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ أي؛ وإذ قد فارقتموهم في دينهم وتبرأتم مما يعبدون من دون الله، وذلك لأنهم كانوا يشركون مع الله، كما قال الخليل: إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وهكذا هؤلاء الفتية قال بعضهم لبعض: إذ قد فارقتم قومكم في دينهم، فاعتزلوهم بأبدانكم لتسلموا منهم أن يوصلوا إليكم شرا فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا أي؛
يسبل عليكم ستره، وتكونوا تحت حفظه وكنفه، ويجعل عاقبة أمركم إلى خير، كما جاء في الحديث: اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا ومن عذاب الآخرة ثم ذكر تعالى صفة الغار الذي آووا إليه، وأن بابه موجه الى نحو الشمال، وأعماقه إلى جهة القبلة، وذلك أنفع الأماكن؛ أن يكون المكان قبليا، وبابه نحو الشمال، فقال: وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ وقرىء:
(تزور) عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ فأخبر أن الشمس، يعني في زمن الصيف وأشباهه، تشرق أول طلوعها في الغار في جانبه الغربي، ثم تشرع في الخروج منه قليلا قليلا، وهو ازورارها ذات اليمين فترتفع في جو السماء وتتقلص عن باب الغار، ثم إذا تضيفت للغروب تشرع في الدخول فيه من جهته الشرقية قليلا قليلا إلى حين الغروب، كما هو المشاهد في مثل هذا المكان، والحكمة في دخول الشمس إليه في بعض الأحيان أن لا يفسد هواؤه وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ أي؛ بقاؤهم على هذه الصفة دهرا طويلا من السنين، لا يأكلون ولا يشربون، ولا تتغذى أجسادهم في هذه المدة الطويلة من آيات الله وبرهان قدرته العظيمة مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ قال بعضهم: لأن أعينهم مفتوحة؛ لئلا تفسد بطول الغمض وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ قيل: في كل عام يتحولون مرة من جنب إلى جنب، ويحتمل أكثر من ذلك. فالله أعلم. وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ قال شعيب الجبائي: اسم كلبهم حمران. وقال غيره: الوصيد أسكفة الباب. والمراد أن كلبهم الذي كان معهم، وصحبهم حال انفرادهم من قومهم، لزمهم ولم يدخل معهم في الكهف، بل ربض على بابه ووضع يديه على الوصيد، وهذا من جملة أدبه ومن جملة ما أكرموا به؛ فإن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب، ولما كانت التبعية مؤثرة، حتى في كلب هؤلاء، صار باقيا معهم ببقائهم؛ لأن من أحب قوما سعد بهم، فإذا كان هذا في حق كلب فما ظنك بمن تبع أهل الخير وهو أهل للإكرام. وقد ذكر كثير من القصاص والمفسرين لهذا الكلب نبأ وخبرا طويلا أكثره متلقى من الإسرائيليات، وكثير منها كذب، ومما لا فائدة فيه، كاختلافهم في اسمه ولونه.

وأما اختلاف العلماء في محلة هذا الكهف، فقال كثيرون: هو بأرض أيلة. وقيل: بأرض نينوى . وقيل: بالبلقاء. وقيل: ببلاد الروم. وهو أشبه. والله أعلم. ولما ذكر الله تعالى ما هو الأنفع من خبرهم، والأهم من أمرهم، ووصف حالهم، حتى كأن السامع راء، والمخبر مشاهد لصفة كهفهم، وكيفيتهم في ذلك الكهف وتقلبهم من جنب إلى جنب، وأن كلبهم باسط ذراعيه بالوصيد. قال: لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا أي؛ لما عليهم من المهابة والجلالة في أمرهم الذي صاروا إليه، ولعل الخطاب ههنا لجنس الإنسان المخاطب لا بخصوصية الرسول صلى الله عليه وسلم كقوله: فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ أي؛ أيها الإنسان؛ وذلك لأن طبيعة البشرية تفر من رؤية الأشياء المهيبة غالبا، ولهذا قال: لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا ودل على أن الخبر ليس كالمعاينة، كما جاء في الحديث؛ لأن الخبر قد حصل ولم يحصل الفرار ولا الرعب. ثم ذكر تعالى أنه بعثهم من رقدتهم بعد نومهم بثلاثمائة سنة وتسع سنين، فلما استيقظوا قال بعضهم لبعض:

كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ أي؛
بدراهمكم هذه، يعني التي معهم، إلى المدينة ويقال، كان اسمها دفسوس. فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا أي؛ أطيب مالا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ

أي؛ بطعام تأكلونه، وهذا من زهدهم وورعهم وليتلطف أي؛ في دخوله إليها وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا أي؛
إن عدتم في ملتهم بعد إذ أنقذكم الله منها؛ وهذا كله لظنهم أنهم رقدوا يوما أو بعض يوم أو أكثر من ذلك، ولم يحسبوا أنهم قد رقدوا أزيد من ثلاثمائة سنة وقد تبدلت الدول أطوارا عديدة، وتغيرت البلاد ومن عليها، وذهب أولئك القرن الذين كانوا فيهم، وجاء غيرهم وذهبوا وجاء غيرهم؛ ولهذا لما خرج أحدهم، وهو تيذوسيس فيما قيل، وجاء إلى المدينة متنكرا؛ لئلا يعرفه أحد من قومه فيما يحسبه تنكرت له البلاد واستنكره من رآه من أهلها، واستغربوا شكله وصفته ودراهمه. فيقال: إنهم حملوه إلى متوليهم، وخافوا من أمره أن يكون جاسوسا أو تكون له صولة يخشون من مضرتها، فيقال: إنه هرب منهم.
ويقال: بل أخبرهم خبره ومن معه، وما كان من أمرهم، فانطلقوا معه ليريهم مكانهم، فلما قربوا من الكهف دخل إلى أخوانه فأخبرهم حقيقة أمرهم ومقدار ما رقدوا، فعلموا أن هذا من قدرة الله. فيقال: إنهم استمروا راقدين. ويقال: بل ماتوا بعد ذلك.
وأما أهل البلدة، فيقال: إنهم لم يهتدوا إلى موضعهم من الغار، وعمي الله عليهم أمرهم. ويقال: لم يستطيعوا دخوله حسا. ويقال: مهابة لهم.

واختلفوا في أمرهم؛ فقائلون يقولون:
ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا أي؛ سدوا عليهم باب الكهف؛ لئلا يخرجوا أو لئلا يصل إليهم ما يؤذيهم، وآخرون، وهم الغالبون على أمرهم
قالوا: لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا أي؛ معبدا يكون مباركا لمجاورته هؤلاء الصالحين. وهذا كان شائعا فيمن كان قبلنا، فأما في شرعنا فقد ثبت في "الصحيحين" عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا.
 
دمتم بود
عمرو خالد "صاحب دعوة الإسلام الجديد" ضلّ وأضل
 السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
 
الموضوع منقول من طريق الاسلام
 
و هذا رابط الموضوع الأصلي :
 

"لماذا همّكم إسقاط الناس؟ تنظرون دومًا إلى الجانب السيء، وتتغاضون عن حسنات الشخص؟!

أليس عمرو خالد هو من أثّر على الآلاف من الشباب؟ شباب وفتيات كانوا في متاهات الضياع، ثم كانت هدايتهم على يديه. أين أنتم من برنامج "صناعة الحياة" الذي يدعمه؟"

 

أخي الكريم.. أختي الكريمة:

إن كنت ممن يؤيد القول السابق، فلطفاً خذ من وقتك قليلاً ، لقراءة الكلمات التالية. ونحن على ثقة بأنك لن تخسر شيئًا، بل ربما تكتشف أنك كنت من محبي من يروج إلى "الإسلام الأمريكاني" !

 

وينبغي التأكيد إلى أن العبرة ليست بكثرة الأتباع ، فهناك أديان شِركية باطلة أعداد أتباعها أكثر من أتباع الإسلام، فهل يدل هذا على أنها على حق؟ يقول الحق تبارك وتعالى: (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) [الأنعام:116]

 

ولسنا ممن يسعى وراء إسقاط الناس، وتتبع أخطائهم، لكن أن يُنظر إلى الدعوة للـ "الالتزام الأجوف" على أنها هي الدعوة الصحيحة، ومن يدعو إليها أصبح كلامه وكأنه كلام "مفتي هذا العصر"، فهذا لا يمكن السكوت عنه ، بل سيكون غشا وتقاعسًا عن واجب النصيحة للمسلمين.

 

وممن قام بواجب النصح، وتعددت وسائله في ذلك، الشيخ الفاضل وجدي غنيم، المعروف بدماثة خلقه ولين جانبه. ولعل من يقرأ خطاب الشيخ الذي تسرّب إلى بعض وسائل الإعلام ليستبعد أن يكون الشيخ هو كاتب ذلك الخطاب، لكن الشيخ قطع الشك باليقين بعد أن وضّح حقيقة الأمر على صفحة موقعه الرسمي:  

http://www.wagdighoneim.com 

وفيما يلي نستعرض بعضًا مما جاء في كلام الشيخ وجدي جزاه الله خيراً ، ومن أراد الاطلاع على الخطابات الكاملة يمكنه الرجوع للموقع المشار إلى رابطه أعلاه: 

و هذا نص الخطاب :

كلنا فرحنا بظهور الداعية الإسلامي عمرو خالد في وقت خرج فيه الدعاة إلى الله من هذه البلد الظالم حكامها وجلاديها ليبلغوا دعوة الله في شتى بقاع الأرض، بدأ الأستاذ عمرو خالد دعوته بداية صحيحة (باستثناء حلق اللحية ولا أجد له عذرا في ذلك) وكلنا كنا فرحين به وشجعناه بل طلبت منه أن يحضر إلى أمريكا عندما كنت مقيماً بها ويلقي محاضرات. ولكن سرعان ما ضلّ طريقه عن الحق متعمدًا، وأكررها ( متعمدًا ) ويعلم الله أنني كنت على يقين من هذه النهاية فحذرته في خطابي المرفق والمؤرخ في فبراير 2005

 

ولكنه وللأسف بدأ ينحرف عن الحق وقد لاحظت ذلك من خلال كلامه وعباراته. أرسلتُ له خطابا في شهر فبراير 2005 احذره فيه من بعض الأخطاء الخطيرة التي وقع فيها والتي (بحكم خبرتي ومعرفتي بشخصية عمرو خالد) أعلم أنه سيقع فيها, ولكنه لم يرد عليّ.

 

الله يعلم أني كنت أحبه في الله ولكن الحق أحب إلينا منه خاصة أنه يعرف الحق ولكنه حاد عنه متعمداً وقد قال هو عني أنه تلميذي وأنني أستاذه ولذلك وجب علي توضيح موقفي

 

إن العبرة ليست في الوصول وإنما العبرة بأي شيء وصلت هل وصلت بحق أم بباطل؟

 

التقيت معه في البحرين وتواعدنا علي اللقاء والمبيت في شقتي فحدّد ميعادا الساعة 3 ظهرا ثم أجّله إلى 7 مساءا ولم يحضر ولم يعتذر عن عدم الحضور أو إخلاف الميعاد. لما كثُرت الأخطاء و وصلت إلي حد العقيدة أصبح لِزاماً عليّ أن أزجُره وأن أعذُر نفسي إلى الله وأن أُحذر المسلمين من أخطائه فأرسلتُ إليه الخطاب الثاني.

ولكنه أيضا لم يرد عليّ ، أيضاً مما جعلني علي يقين أنه اختطّ لنفسه خطًاً لن يحيد عنه ولا يريد لأحد أن يراجعه فيما يقول. لم أرسل أي خطاب من هذه الخطابات إلى أي جريدة أو مجلة إلا لمن كان يسألني عن موقفي من أخطاء عمرو خالد والتي حدت بالبعض إلي تحذير الناس من هذه الضلالات. إذ كان بعض المغرضين من العلمانيين أو أعداء الدعوة والمحاربين لها قد استغل الفرصة استغلالاً سيئا فهذا لبس ذنبي والله حسيبي يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

 

ولكن يبدو أن بعض الإخوة سرّب خطابي الثاني إلى الصحافة فنشروا الخطاب الثاني ولم ينشروا الخطاب الأول. وعندي الأدلة على كل كلمة قُلتها عنه وكما كنت أدعو الناس إلى سماعه الآن احذر الناس منه لأنه حاد عن طريق الحق متعمدًا فضلَ وأضلَ والعياذ بالله.

 

ولما كثُرت أخطاؤه في العقيدة والسيرة والأحكام الفقهية أردتُ أن أُبرأ ذمتي أمام الله وأُصحح له ما وقع فيه من أخطاء قاتلة حذرته من الوقوع فيها نتيجة قلة علمه وقلة خبرته وعدم تمكنه مصداقاُ لقول الله عز وجل "قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين" [سورة يوسف : آية 108]

 

• أليس من التضليل أن تضع يدك في يد (المُفتن) المسمي بالمفتي وتسيرا سوياً؟ وهو الذي أفتي بجواز بيع الخمر و الخنزير (ولست أدري لماذا عدم الدعارة أيضاً) في البلاد الأوروبية؟! وهو الذي يقول إنه قابل النبي صلي الله عليه وسلم حقيقة بل وسلم عليه شخصياً ! وعندي أنا أكثر من ذلك وعندك أنت أكثر مني.

 

• يصف الذات الإلهية بصفات لا تليق بجلال الله فيقول عن الله والعياذ بالله (ربنا سهران – يعشق – عايز – غشش آدم – يتلذذ).

 

• يصف النبي صلي الله عليه وسلم بأنه ممثل ومثل مع سيدنا جبريل تمثيلية.

 

• يرد على حديث النساء ناقصات عقل ودين بأن النبي صلى الله عليه وسلم (كان بيهزر).

 

• يقول عن سيدنا موسى وهو من أولي العزم من الرسل بأن (ربنا عايز يمرمط سيدنا موسى).

 

• يقول عن المجرم اللا (عادل) واللا (إمام) أنه ممثل قدير ويقول (أنا شخصيا بحترمه). هل علّمك الإسلام احترام هؤلاء الفساق العصاة لله علناً؟ وإذا سألك الله في الآخرة عن الناس الذين أحبوا الفُساق الفُجار ويقولون إذا كان الداعية الإسلامي عمرو خالد يحبهم أفلا نحبهم نحن؟ عندئذ ماذا ستقول لربك؟ ولست ادري كيف يحترم الناس من يحترم الفُساق الفُجار خاصة إذا كان من الدعاة؟ إن الكلمة أمانة وهي إما ترفع صاحبها إلى الجنان وإما أن تهوي به إلي قعر النار.

 

• أليس من التضليل أن تقول للممثلة التي أرادت أن تترك العفن و النجاسة إلى طُهر الإسلام (لا خليكي في الفن و لا تعتزلي) !!! .

 

• يقول أن النبي صلي الله عليه وسلم كان يصافح الشعراء في عصره ويكرمهم والفنانون اليوم يمثلون الشعراء في عهد النبي صلي الله عليه وسلم.

 

• يعلن وبمنتهى البجاحة أنه متابع جيد للتمثيليات والأفلام بل ويقول (مين مننا ما اتفرجش علي مسرحية مدرسة المشاغبين وماضحكش عليها) . والنبي صلي الله عليه وسلم يقول "كل أمتي معافى إلا المجاهرين".

 

• يقول أن الصحابة رضوان الله عليهم في المدينة المنورة استقبلوا النبي صلي الله عليه عندما هاجر إليهم (بأغنية) طلع البدر علينا ولم يستقبلوه بالقران لأهمية الأغنية.

 

• قال أحد الذين قدمهم أمامه لا فرق بين إيمان المسلم وإيمان المسيحي فكلاهما مؤمن ولا يرد عليه عمرو بل سكت وكأنه موافق.

 

• إعلان صناع الحياة (لا بارك الله لهم إن لم يصنعوها على الإسلام) به امرأة عارية الرأس وفتحة الصدر وأسفل الركبة ويقدموها على أن هذه هي معلمة المستقبل لصناع الحياة. إنه يهدم كل آيات غض البصر وفرضية الحجاب الذي ندعو إليه جميعًا.

 

• يدعو الشباب إلى سماع واتباع الحبيب الجفري وهو يعلم حقيقته المنحرفة المضلة.

 

• كذب علي الناس عندما قال عندي "لاءات" ثلاثة: لا للفتوى، ولا للسياسة، ولا للجماعات فقد تربى في جماعة الإخوان ثم أفتى في الدين بجهل وبغير علم ثم تكلم في السياسة بل وشق إجماع المسلمين بذهابه إلى الذين سبوا النبي صلي الله عليه وسلم وبدعوة من الحكومة المجرمة و اُختزلت القضية بأنه قبّل رأس الشيخ القرضاوي!!

 

أقول إنك مفتون لأنك فُُتنت بتلك الكاميرات اللعينة والفضائيات التي صورتك على أنك العالِم العلّامة !! الحَبرُ الفهامة!! وحيد عصره!! وفريد دهره!!

 

وقد حذرتُكَ في خطابي السابق أن سِنّك وعلمك وخبرتك لا تناسب وضعك الحالي وما أنت فيه من شهرة مصطنعة فتنكَ اللهُ بها وأنه لا بد لك من مرجعية إسلامية ترجع إليها حتى لا تفتي بدون عِلم, ولكنك تماديت وانطلقت بلا عِلم, وغرتك شهرتك (المصنوعة لك للإيقاع بك) ووقعت في الفتنة بعد أن انغلقت على نفسك لكي لا تستمع إلى نصيحة أحد, فكنت كمن يخطب الجمعة على منبر وهو عار تماماً و فرحان بكلامه ولا يسمع لمن ينبهونه بأنه عار.

 

إنك تدعو إلى (إسلام جديد) بفهمك أنت وليس بفهم السلف الصالح الذي تربينا عليه.

 

هذا قليل من كثير يدل على أنك فُتنت وانحرفت عن الطريق الصحيح و العياذ بالله, والله العظيم أنا لا أكاد أصدق أنك عمرو خالد الذي أعرفه من قبل! ولكنك تبرأت من كل ماضيك واتبعت هواك فأضلك اللهُ.

 

قف ولو للحظة بعيداً عن تلك الكاميرات اللعينة التي فتنتك عن دينك وتفكر وتدبر فيما تقول, ستجد أنك انحرفت بمن معك (والعياذ بالله) عن الطريق القويم وغابت عنك الفكرة الإسلامية!!!

 

فكِر ولو للحظة أنك ستُبعث بمفردك أمام الله سبحانه وتعالى ولن ينفعك من فُتنوا بك .

 

تب إلى الله واستغفره عما بدر منك (علانية) حتى تبرأَ من إثم من اتبعوك وجعلوك قدوة قبل أن تلقي الله و يومها لا ينفعك الندم (إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا......) [البقرة : آية 166]اللهم بلغت اللهم فاشهد. 

الشيخ / وجدي غنيم 

(وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)

[الأنعام:153]

 

 


و هذه رسالة الشيخ السابقة لعمرو خالد
بسم الله الرحمن الرحيم اخي الحبيب الداعية الاسلامي عمرو.

 

 السلام عليكم ورحمه الله وبركاته تحياتي اليك والي اختنا زوجتك لعلك بخير. اخي الحبيب اعتب علي اخي الاصغر عدم سؤاله عني وعدم تهنئته لي بخروجي من السجن فاذا كان ذلك بسبب انشغالك بدعوة الله عز وجل والتي نتشرف بها جميعا فانا مسامح.

اخي عمرو/ من باب" رحم الله رجلا اهدي الي عيوبي" ومن باب "
المسلم مرآه اخيه" اسال الله سبحانه وتعالي ان يخلص نيتي فيما اقوله لك وانت تعلم ما بيني وبينك . تحاببنا في الله والتقينا علي دعوة الله وهذا شرف عظيم لنا ورحم الله امامنا الشهيد / حسن البنا عندما قال عن دعوة الله عز وجل "كونوا بها فان لم تكونوا بها فلن تكونوا بغيرها وهي ستكون بغيركم".

 

 وانا وغيري ممن يسمعونك يحبونك في الله ويعتزون بك كداع الي الله ولا يعتزون بمن يسميهم الناس "نجم" او" مشهور" او "فنان" أو أي صفة أخري من صفات الدنيا الزائلة فكم من النجوم المشاهير وهم الآن في مزبلة التاريخ في الدنيا, ولعذاب الآخرة اكبر والعياذ بالله ولذلك فاحرص دائما يا أخي علي السمت الإسلامي والهوية الإسلامية وتحرك دائما في إطار الضوابط الشرعية فنحن دعاة ولسنا نجوم أو مشاهير أو فنانيين.

 

أخي/ عمرو, اتصل بي أناس كثيرون ومنهم أولادي الذين يحبونك وهم في منتهي الغضب والزعل منك ومن كثير مما قلت عبر الفضائيات وبعضهم متحرج من نصيحتك, والبعض الآخر يخشى من أن تسيء الظن به, ويعلم الله كم دافعت عنك بنيه أنني سوف أنصحك لله, ولكن المشكلة من وجهه نظري ليست في الأخطاء و إنما هي في"المرجعيه" فيا أخي الحبيب لا تزعل مني , لابد أن تكون لك مرجعيه لان (علمك)( وسنك)( وتجاربك) حجمها اصغر بكثير من وضعك الذي أنت فيه الآن والذي ابتلاك الله به, أسال الله أن يثبتك ولا يفتنك, فانا برغم سني "54 سنة" وبرغم قدمي في دعوه الله فقد صعدت المنبر 1971 وكان سني يومئذ 20 عاما مازلت ارجع إلي إخواني وأستشيرهم فيما أقول وإذا أخطأت اعترف بخطئي ولذلك فلابد أن تكون لك مرجعية كما لك سكرتارية وإذا أخطأت فاعترف وخطأك علنا كما أخطأت علنا حني تصحح في أذهان من سمعوك الخطأ. أنت داعي إلي الله والناس عرفتك بهذه الصفة وأحبوك بها ولكني أراك الآن تحاول أن تتنصل من هذه الصفة وكأنها سبة لك؟

 

 حتى إن البعض تسائل, ما هي حقيقة هذا الرجل؟ هل هو داعي إلي الله ؟ واذا كان كذلك فلماذا لم يلتح ؟( وأنا لا أجد لك عذرا عند الله )أم مصلح اجتماعي سبقه ويعاصره من هو اعتي منه ؟ أم فنان ؟ أم مفكر ؟ أم ثائر ؟ أم أم أم ؟

 

وأنا أرجوك إن ترجع إلي نفسك ولو للحظات وتسال نفسك لماذا تزعل (كما قلت أنت) ممن يلقبك بالشيخ وهو شرف لك اسأل الله أن تكون من أهله وان تكون ممن يستحقه, وهل نسيت أن الناس أحبوك لأنك داع إلي الله ؟ اتق الله يا أخي وجدد نيتك باستمرار. يا أخ / عمرو هل يجوز إذا أردنا أن ننزل إلي الناس أن نميع الحق؟ وما أحبنا الناس ولا استمعوا لنا إلا لأننا نقول الحق . فهل من الحق ان تقول عندما سألوك عن المجرم الكاره للإسلام وللمسلمين والذي مثل اكثر من فيلم يسخر فيه من الإسلام ومن المسلمين المجرم الغير (عادل) والغير( إمام) وأنت تعلم ذلك ثم تقول عنة "انه فنان كبير وانا شخصيا احترمه"

 

 هل علمك الإسلام احترام هؤلاء الفساق العصاه لله علنا ؟ وإذا سالك الله في الآخرة عن الناس الذين أحبوا الفساق الفجار ويقولون إذا كان الداعية الإسلامي عمرو خالد يحبهم أفلا نحبهم نحن؟ عندئذ ماذا ستقول لربك ؟ ولست ادري كيف يحترم الناس من يحترم الفساق الفجار خاصة إذا كان من الدعاة ؟, اسأل الله ألا يحشرك مع هؤلاء الذين تحترمهم وان يغفر لك هذه الزلة وألا تقع في مثلها, وألا تكون من الذين يميعون الحق علي الناس.

 

يا أخ / عمرو إن الكلمة أمانة وهي إما ترفع صاحبها إلى الجنان وإما أن تهوي به إلى قعر النار فتذكر دائما قول الرسول صلي الله علية وسلم "إن أحدكم ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالا يهوي بها في النار سبعين خريفا" قبل أن تدلي بأي حديث أو تعلق علي أي شيء.

 

 فليس الهدف إرضاء الناس أو المسؤولين وإنما الهدف "إرضاء الله" سبحانه وتعالي بقول الحق فنحن جميعا إلى زوال وسيبقي ما نخلفه من حق " فاما الزبد فيذهب جفاءا واما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض" فهل من الأدب مع رسول الله صلي الله عليه وسلم ان نصفة " بالممثل" هو وسيدنا جبريل وانت تعلم وقع هذة الكلمة عند الناس الان ؟

 

اتق الله واستغفرة فلو كانت هذة الكلمة من غيرك لكان لنا معه شأن آخر فلا احسبنا أغير منك علي رسولنا الحبيب صلي الله عليه وسلم "سامحك الله".

 

أخي / عمرو أرجوك تمهل كثيرا في قبول الدعوات عبر الفضائيات ولا تجلس علي كرسي جلست عليه راقصه قبلك أو مجرم من المجرمين فليس الهدف هو الظهور (عافانا الله من حظ نفوسنا) فنحن كدعاة لنا سمتنا ووقارنا, ولا تجلس أمام سافرة, أو أن يظهر إعلان باسمك وبه امرأة غير محجبه يقال عنها معلمة الأجيال لصناع الحياة لان الأثر النفسي الذي تتركه من جلوسك أمام سافرة أو إعلانك باستخدام شيء حرام, يسيء إليك ولدعوتك, كما انه يهدم كل آيات غض البصر وفرضية الحجاب الذي ندعو إليه جميعا, كما انه يسيء إلينا كدعاة وكإخوة وكأخوات, والمصيبة التي اسأل الله أن يعصمك منها أن يتخذك البعض قدوة فيما تقع فيه من أخطاء أو يستشهد بكلامك الخطأ, ثم يسألوننا عن حكم ما تقوله أو تفعله, عندئذ نحن مكلفون بقول الحق فنوضح لهم الحق بالأدلة الشرعية, عندها ستفقد أنت مصداقيتك عندهم, ثم ستفقد إخوانك الذي سينظرون إليك علي انك قد حدت عن الحق الذي تربينا عليه والذي نسال الله عز وجل ان نلقي الله عليه غير مبدلين ولا مفتونين, وسيفقدك إخوانك, ثم تخسر الناس ومن قبلها تكون قد خسرت نفسك (عافاك الله).

 

 أخي / عمرو في جعبتي الكثير ويعلم الله كم أنا مشغول ومع هذا اقتطعت من وقتي لأكتب إليك وللحديث بقية طويلة أن شاء الله ولكني اذكر نفسي وإياك بأننا دعاة إلي الله تحكمنا (الضوابط الشرعية) وليست المباديء الفكرية كمبدأ "الغاية تبرر الوسيلة". استودعك الله الذي لا تضيع ودائعه وأسال الله أن يقينا وإياك شر أنفسنا وان يقبضنا إليه غير مفتونين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته أخوك / وجدي غنيم 21-2-2005
 
دمتــم بود
إني أخاف الله


وقفات مع حديث الرجل الذي قال : إني أخاف الله

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وبعد :

فإن هذه الكلمات الثلاث جملة قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتحدث عن سبعة يظلهم الله في ظله يوم لاظل إلا ظله وذكر منهم رجلاً دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال : إني أخاف الله . وأية داعية تلك ؟ وإلى أي شيء دعته يا ترى ؟ .
والجواب : إنها المرأة التي تنازلت عن عفتها وحيائها وأستسلمت لهوى نفسها ووسوسة شيطانها وحصرت تفكيرها في شهوة عابرة سوف يعقبها الندم وسوء العاقبة والمصير .

إنها المرأة التي لم ترع حرمة حياتها الزوجية إن كانت محصنة أو إنها لم تفكر في هول الفضيحة إن كانت عذراء لم تتزوج بعد ..
نعم إنها امرأة وداعية سوء نبذت روعة الفضيلة وآثرت أن تستسلم للرذيلة فإذا بلسانها يترجم ما دار في خلدها فتدعو واحداً من الرجال تراوده عن نفسه لفعل فاحشة وصفها العزيز الحكيم بقوله سبحانه ( وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً (
ولكن خاب فأل تلك المرأة التي أرادت أن تدنس عرض الذي دعته لنفسها يوم فاجأها بما لم يكن في حسبانها حيث قال لها : إني أخاف الله ! .

نعم لقد استشعر في قرارة نفسه عذاب الله فأشفق منه فقال : إني أخاف الله .
لقد تأججت حرارة الشهوة الجنسية في جسمه لكونه بشراً فأطفأها الخوف من الله .
إنه موقف لا ينجو من شره إلا المؤمنون ولا يتجاوزه إلا المتقون المعنيون بقوله سبحانه ( إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ )
إني أخاف الله : جملة مصدرها الإيمان وسر تأثيرها الخوف من الرحمن القائل في محكم التنزيل : ( فَلاَ تَخَافُوَهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ( .

هذه الجملة عندما تخرج من القلب يتبعها نور الإخلاص وشعاعه المبهر فتكون أشد تأثيراً وأعظم وقعاً وأمضى نفاذاً تمنع الرجل من ارتكاب الزنا وتنير للمرأة الضالة بصيرتها وربما جعلتها تشعر بالذنب فلا تعود مثله تارة أخرى . هذه الجملة فيها تربية للروح وتزكية للنفس لابتعاد صاحبها عن ارتكاب المعصية قال تعالى ( قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ) هذه الجملة فيها دحر للشيطان الذي يوسوس بارتكاب الذنب لكنه يخنس عندما يذكر العبد ربه ويستعيذ بالله منه مصداقة قوله تعالى (وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ )
ولو أننا قارنا بين اللذة الفانية التي يستمتع بها الزاني وبين النعيم المقيم الذي أعده الله سبحانه لمن خاف مقام ربه وعف عن الزنا بعد أن هيئت له الأسباب فإننا لا نجد مجالاً للمقارنة وشتان شتان بين ذلك فأين المتفكرون ؟! وأين المتدبرون ؟! .
وإن الجزاء المذكور لا بديل عنه يوم الدين حيث لا ظل إلا ظل عرش الرحمن ولا مراوح تلطف الجو ولا مكيفات هواء تنبعث منها البرودة المنعشة والناس في حالة ازدحام ممقوت وحرارة خانقة . ويرون بأم أعينهم جماعات يتفيؤون ظلال عرش الله سبحانه جزاء ما قدموا من صالح العمل ومنهم أولئك الذين عفوا في الحياة الدنيا عن ارتكاب فاحشة الزنا خوفاً من الله .
وهنا لابد لكل مؤمن عاقل إلا أن يقول : سبحانك اللهم كم للعفة عن الزنا عندك من شأن عظيم حتى أجزلت العطاء والمثوبة لصاحبها يوم الدين فجعلته في ظل عرشك يرتع في نعيم مقيم .

وإتماماً للفائدة أُحِبُ أن أوجه الأسئلة التالية لكل من زني أو تسول له نفسه أن يزني لا سمح الله وأن أجيب عن هذه الأسئلة لعل بعض الفائدة يحصل بهذه الطريقة الاستجوابية :

س 1 - ما معنى الزنا ؟ .

ج - الزنا هو فعل الفاحشة في قبل أو دبر ومعناه الفجور أيضاً ويسمى سفاحاً وبغاء
ويسمي عنتاً باعتبار ما يترتب عليه من إثم .
 
س 2 - ما هي عقوبة الزاني ؟ .

ج - عقوبة الزاني إن كان محصناً أو كانت محصنة : الرجم بالحجارة حتى الموت وإن كان عازباً أو كانت عزباً ، فالجلد مائة جلدة وتغريب سنة كاملة للرجل .
 
س3 - ما هي مضار الزنا ؟ .

ج - 1 - الإصابة المتوقعة بأمراض خطيرة استعصي على الأطباء علاجها في الوقت الراهن رغم تقدم الطب .
2 - مفسدة للأعراض .
3 - مضيعة للأنساب .
4 - هتك للشرف والأخلاق .
5 - عدوان مبين .
6 - نشر للرذيلة .
7 - سبب لظهور الخبث وتلوث البيئة .
8 - سبب للفقر وضنك العيش .
9 - يذهب بهاء الوجه ونوره .
10 - وقوع في أحضان الرذيلة .
11 - سبب للمقت وسوء العاقبة .
12 - انعدام الشخصية باستسلام صاحبها لسيطرة الشهوة الجنسية .
 
س 4 - هل يرضي الزاني أن يزني أحد بإحدى محارمه أو زوجته ؟ .

ج - لا شك أنه سيقول لا وتثور ثائرته ويغضب لما سمع .. ولكن عليه أن يهون على نفسه ويئوب إلى رشده ويتفكر في قول الشاعر :
إن الزنا دين فإن أقرضته كان الوفا من أهل بيتك فاعلم
 
س 5 - هل للزاني من توبة ؟ .

ج - نعم إن باب التوبة مفتوح إلى يوم القيامة ولكن الأمر يحتاج إلى عزيمة صادقة وإقلاع عن الذنب وندم على ما فات وتوبة نصوح وعدم مجاهرة بما سلف .
قال تعالى : ( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى [ [6] .

وأرجو من القارئ الكريم أن يلحظ الفقرة الأخيرة من جواب السؤال الخامس وهي عدم المجاهرة - بسبب أن الذين يرتكبون المعاصي والفواحش ويجاهرون بها قد ورد في حقهم وعيد شديد بعد العفو عنهم والعياذ بالله والدليل قول الرسول صلى الله عليه وسلم " كل أمتي معافى إلا المجاهرين وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً ثم يصبح وقد ستره الله فيقول يا فلان عملت البارحة كذا وكذا وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه " .
ولو فكر المجاهر بما يترتب على مجاهرته لما تكلم ولا فضح نفسه وربما هتك ستر غيره .
إضافة إلى أن المجاهر بالمعصية يشجع غيره على ارتكابها والسفر إلى أماكنها وبذلك يكون قد دعا إلى وزر سيبوء بإثمه وإثم من عمل به إلى يوم القيامة .

فليتق الله المجاهرون وليستغفروا ربهم عن مجاهرتهم ويسألوه أن يعفو عنهم قبل فوات الأوان وانقضاء العمر .

وختاماً أحب أن أدلي بالنصائح التالية للشباب وللرجال المسلمين :

1 - إتقوا الله في السر والعلن .
2 - ابتعدوا عن قرناء السوء .
3 - ابتعدوا عن مواطن الشبهات .
4 - إياكم ومشاهدة الأفلام الرخيصة .
5 - صونوا جوارحكم عما حرم الله .
6 - إياكم والخلوة بالنساء .
7 - إبتعدوا عن مقدمات الزنا - لأن ما يفضي إلى الحرام فهو حرام .
8 - تخيروا لنطفكم ولا تضعوها إلا في الأكفاء فإن العرق دساس .
9 - إياكم وخضراء الدمن .
10 - عفوا تعف نساؤكم .
11 - إياكم والسفر إلى بلاد الكفر إلا للضرورة القصوى .
12 - تمثلوا بعمق إيمان قول الرسول صلى الله عليه وسلم " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فلتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإن له وجاء " .
13 - تذكروا قول الرسول صلى الله عليه وسلم " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " .
14 - تزينوا لزوجاتكم مثلما تحبون أن يتزين لكم .
15 - حافظوا على نظافة أجسادكم ورائحة أفواهكم متذكرين أن النظافة من الإيمان
16 - تذكر أيها الرجل أنك أرجح عقلاً فلا تخدع المرأة بمعسول كلامك ولا بكثر مالك لتوقعها في أحضان الرذيلة .
17 - التزم بقول الله سبحانه ] قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ [ [7].

كما يسرني أن أقدم النصائح التالية لكل أخت مسلمة :

1 - اتقي الله واحذري الوقوع في الحرام .
2 - لا تنخدعي بمعسول كلام الشباب ولعبة الهاتف .
3 - تذكري أن جريمة الزنا بالنسبة للمرأة فضيحة وعار لا ينسيان طيلة العمر .
4 - ابتعدي عن قرينات السوء .
5- تذكري في قول الله سبحانه : ] وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ [ ( النور : 31 ) .
6 - احذري أن تحدثي زوجك بصفات جارتك ومحاسنها .
7 - احذري أن تفضي لصديقك بما يحدث بينك وبين زوجك .
8 - إياك ومشاهدة الأفلام الرخيصة .
9 - احتشمي في لباسك وإحذري من رفع العباءة فأن رفعها لا يأتي بخير .
10 - لا تكثري من النزول إلى الأسواق والتزمي بآداب الشراء عند الاستفسار عن نوع البضاعة وسعرها واحرصي أن يكون معك محرم يكفيك السؤال والأخذ والعطاء .
11 - تذكري قول الله سبحانه : ] وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فَرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا [ ( النور : 31 ) .
12 - تذكري أن العين بريد الزنا .
وأخيرا أسأل الله سبحانه أن يجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن وأن يحفظ شبابنا من فتن الدنيا وقرناء السوء وأن يستر عوراتنا ويحفظ نساءنا وبناتنا من الزلات ويوفق الجميع للمحافظة على الصلاة لأنها السلاح الأول التي تنهي مُقِيمَها الفحشاء والمنكر . والحمد لله رب العالمين .

دمتم بود



<<الصفحة الرئيسية